15‏/04‏/2012

الانتخاب الغير مباشر وعلاقته بالديمقراطية في الجمهورية اليمنية

الانتخاب غير المباشر وعلاقته بالديمقراطية
في الجمهورية اليمنية

الدكتور/ حمود محمد القديمي
أستاذ القانون العام المساعد
عضو هيئة التدريس بأكاديمية الشرطة

تمهيد:
الانتخابات في المجتمع الديمقراطي هي حجر الأساس في تعزيز انتماء المواطنين لوطنهم، فهي التي تضمن أن يكون الناخبون مواطنين وأن يعتبروا أنفسهم كذلك، حيث أن حرية المواطنين في اختيار الهيئة المراد انتخابها أو الحكام لا تعني شيئا إذا كان المواطنون لا يهتمون بالحكم ولا يشعرون بالانتماء السياسي.
وبالتالي فإن الانتخاب يعد حق من حقوق المواطن مثله مثل حقه في الحياة والمساواة والحرية وغيرها من الحقوق، فالمواطن بحقوقه، فإذا كان يملك كل حقوقه كان كامل الإنسانية والمواطنة، وإذا انتقص له حق من هذه الحقوق كان ذلك انتقاصاً من إنسانيته ومواطنيته( ).
كما أن الانتخاب حق للمواطن الإنسان في ظل الديمقراطية التي تمكن الشعب من تحقيق سيادته، وممارسة دوره في إدارة شئونه وبإرادته الحرة، والانتخابات في الأنظمة الديمقراطية ومنها اليمن، لا تقتصر على نوع من أنواع الانتخابات، وإنما تشمل الانتخابات الرئاسية، والتشريعية، والمجالس المحلية في المحافظات والمديريات والمراكز، إضافة إلى حق التصويت في أي استفتاء عام، كالاستفتاء على التعديلات الدستورية، أو الاستفتاء على موضوع معين يدعى إليها المواطنون وفقاً للسمات الدستورية التي يتصف بها هذا الحق.
وقد أكد على ذلك الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، حيث خط خطوطاً واضحة في تقرير حق المشاركة لكل فرد في إدارة الشئون العامة لدولته، إما مباشرة أو بواسطة ممثلين عنه يختارون اختياراً حراً، وأكد على أن إرادة الشعب هي مصدر سلطة الحكومة، يعبر عنها في انتخابات دورية تتسم بالنزاهة والحيدة والمساواة والحرية( ).
كما أن دستور الجمهورية اليمنية نص على حق الانتخاب في المادة (43) منه، حيث جاءت صياغتها على النحو الآتي: " للمواطنين حق الانتخاب والترشيح وإبداء الرأي في الاستفتاء، وينظم القانون الأحكام المتعلقة بممارسة هذا الحق".
والانتخاب هو أكثر الطرق فاعلية لاختيار الحكام وأعضاء البرلمان، ويعد مدرسة لتربية الشعب سياسياً بفئاته المختلفة فيستفيد منها المزارع في حقله، والصانع في مصنعه، والمثقف في مكتبه، وكل هؤلاء يشعرون بأنهم مرتبطون بالوطن برباط وثيق، وأن شئون الدولة تتوقف على رأيهم كلما جد الجد وتعقد الأمر.
إلا أن الانتخابات ليست خيراً كلها، بل إنها ترمي بشرر له خطره وخطورته، فأساسها منتقد نظرياً لأنها تسوي بين الذي يعلمون والذين لا يعلمون، والتنافس فيها يؤدي أحياناً إلى تلفيق الاتهامات بالحق والباطل، وسماسرتها يبيعون الذمم ويشترون البشر، ولكنها مع ذلك تبقى قاعدة الديمقراطية النيابية وأساس النظام البرلماني. وعلى قدر سلامة القاعدة تكون سلامة البناء الذي يشيد عليها( ).
والنُظم الديمقراطية في عالمنا المعاصر عرفت العديد من طرق الانتخابات ومن أبرزها الآتي:
- من حيث درجات الانتخاب، إما أن يكون انتخاباً مباشراً، وإما أن يكون انتخاباً غير مباشر.
- من حيث اختيار المرشحين في الدوائر الانتخابية، إما أن يكون انتخاباً فردياً، وإما أن يكون انتخاباً بالقائمة.
- من حيث الأساس الذي يتم بناءً عليه توزيع الأصوات الانتخابية على المرشحين، إما أن يكون انتخاباً بالأغلبية، وإما أن يكون انتخاباً بالتمثيل النسبي.
فضلاً عن ذلك هناك نظم مختلطة تمزج بين التمثيل النسبي والتمثيل بالأغلبية بنسب متفاوتة، في محاولات متعددة لتفادي عيوب هذين النظامين( ).
وهناك أيضاً نظام تمثيل المصالح والحرف والمهن( )، ويكون ذلك من خلال تحديد نسبة معينة من المقاعد النيابية لتمثيل أصحاب المصالح والحرف والمهن، بجوار الاتجاهات السياسية المختلفة في المجلس النيابي، ويتحقق ذلك من جانب آخر عن طريق انتخاب أحد المجلسين النيابيين بأكمله في الدول الآخذة بالازدواج البرلماني( ) لتمثيل المصالح الاقتصادية والاجتماعية في الدولة، على أن يكون المجلس الآخر لتمثيل الاتجاهات السياسية( ).
مشكلة الدراسة:
أثير الكثير من الجدل حول انتخابات أمين العاصمة ومحافظي المحافظات بطريقة الانتخاب غير المباشر، مما أدى إلى مقاطعة الكثير لهذه الانتخابات بحجة بُعد هذه الطريقة عن المسار الديمقراطي، وكونها تحول بين هيئة الناخبين وبين اختيار الهيئة المراد انتخابها بطريقة مباشرة.
تساؤلات الدراسة:
- هل الانتخاب غير المباشر يبتعد عن الديمقراطية بقدر عدد درجات الانتخاب؟
- هل الانتخاب غير المباشر يتيح الفرصة للحكومات والأحزاب السياسية بالضغط على المندوبين لقلة عددهم في تزييف إرادتهم وتوجيهها بحسب رغبتها؟
- هل هناك دساتير تأخذ بنظام الانتخاب غير المباشر؟
- هل بالإمكان الضغط على القاعدة الشعبية العريضة أو التأثير فيها من الاضطلاع بمهمة اختيار أعضاء الهيئة المراد انتخابها في الانتخاب المباشر؟
- هل بالإمكان التأثير على عدد المندوبين الذين يقومون بعملية الاختيار النهائي للهيئة المراد انتخابها من قبل الحكومة أو الأحزاب السياسية لقلة عددهم؟
أهمية الدراسة:
تكمن أهمية الدراسة في أن بعض الدساتير أخذت بنظام الانتخاب غير المباشر في الدول حديثة العهد بالنظام النيابي، ونتيجة لانتشار المد الديمقراطي وذيوع مبدأ الاقتراع العام وجعل السلطة الحقيقية في يد الشعب، ساد أسلوب نظام الانتخاب المباشر، حيث يمارس الشعب حقه الانتخابي بطريقة مباشرة ودون وساطة أحد، كما يحدث في الانتخاب غير المباشر، فضلاً عن ذلك فإني الانتخاب المباشر يمكن القاعدة الشعبية العريضة من الاضطلاع بمهمة اختيار أعضاء الهيئة المراد انتخابها بأنفسهم مباشرة، بحيث يصعب الضغط عليها أو التأثير فيها بسهولة، سواء بالرشوة أو بالتهديد، وذلك لضخامة عدد الناخبين بخلاف الانتخاب غير المباشر الذي يسهل فيه هذا التأثير لقلة عدد المندوبين الذين يقومون بعملية الاختيار النهائي من قبل الحكومة أو الأحزاب السياسية.
أهداف الدراسة:
تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق الأهداف الآتية:
- إن النظام الانتخابي هو الطريقة التي يرسمها القانون لتعبير المواطنين عن إرادتهم الحرة لاختيار من يمثلهم في إدارة شئونهم.
- يوجد في العالم عدة نظم انتخابية وتختلف من دولة إلى أخرى، والانتخاب غير المباشر يعتبر نوع من أنواع الانتخابات، له مزايا وله أيضاً عيوب.
- إن الكثير من الدول تجمع بين الانتخاب المباشر والانتخاب غير المباشر.
- إن الانتخاب بالطريقة غير المباشرة على مرحلتين هي أحدى طرق الانتخابات المتعارف عليها في كثير من دول العالم وتأخذ به الكثير من دول العالم.
منهجية الدراسة:
اعتمد الباحث في هذه الدراسة على المنهج الوصفي التحليلي المقارن لواقع الانتخابات ومنها الانتخاب غير المباشر، وقد تم تقسيم هذه الدراسة إلى خمسة مباحث نوجزها على النحو التالي:
المبحث الأول: تعريف الانتخاب غير المباشر.
المبحث الثاني: الفرق بين الانتخاب المباشر والانتخاب غير المباشر.
المبحث الثالث: تطبيقات الانتخاب غير المباشر.
المبحث الرابع: الانتخاب غير المباشر في اليمن.
المبحث الخامس: تقييم نظام الانتخاب غير المباشر.
وختمنا هذه الدراسة بخاتمة تتضمن أهم النتائج والتوصيات التي توصلنا إليها.

المبحث الأول
تعريف الانتخاب غير المباشر
الانتخاب غير المباشر: هو الذي يقتصر فيه دور الناخبين على اختيار مندوبين عنهم، والذين بدورهم يقومون بمهمة اختيار أعضاء الهيئة المراد انتخابها.
والانتخاب غير المباشر قد يكون على درجتين أو أكثر، فإذا كان الانتخاب على درجتين فقط، فإن اختيار أعضاء الهيئة المراد انتخابها تكون في أيدي ناخبي الدرجة الثانية، أي المندوبين الذين اختارهم ناخبو الدرجة الأولى، أما إذا كان الانتخاب على ثلاث درجات، فإن اختيار هؤلاء الأعضاء يكون في أيدي ناخبي الدرجة الثالثة، أي المندوبين الذين اختارهم ناخبو الدرجة الثانية( ).
والانتخاب غير المباشر يستخدم اليوم، كما كان يستخدم في الماضي بشكل كبير في كثير من الحالات، وما زال يستخدم في الحاضر، ولا توجد أي بوادر في الأنظمة الانتخابية أن هناك مؤشراً إلى زوالها، بل يبدو أن استخدامه سيظل سارياً حتى في المستقبل، حيث يبدو أن استخدامه يتزايد في البلدان المتقدمة وخاصة في مؤسسات الدولة وفي الجماعات المحلية.
كما أنه ينتشر داخل الأحزاب والنقابات العمالية، والنقابات المهنية وفي المصانع والجامعات( ).
ومما تقدم يتضح بأن الانتخاب غير المباشر يبتعد عن الديمقراطية، بقدر عدد درجات الانتخاب، فيكون الانتخاب على ثلاث درجات أقل ديمقراطية من الانتخاب على درجتين، كما أن الانتخاب على درجتين أقل ديمقراطية من الانتخاب على درجة واحدة، أي الانتخاب المباشر.
بل إن الانتخاب غير المباشر يتيح الفرصة للحكومات بالضغط على المندوبين لقلة عددهم في تزييف إرادتهم وتوجيهها بحسب رغبتها.
المبحث الثاني
الفرق بين الانتخاب المباشر والانتخاب غير المباشر
يرتكز معيار التمييز بين هذين النظامين في دور الناخبين: هل يكون انتخاب ممثليهم وحكامهم بأنفسهم، أم يكون مقتصراً على مجرد اختيار مندوبين يقومون بذلك عنهم.
ففي الانتخاب المباشر يتولى الناخبون بأنفسهم اختيار الهيئة المراد انتخابها دون وساطة أو وسيط. وفي الانتخاب غير المباشر يقتصر دور الناخبون فقط على اختيار مندوبين عنهم لانتخاب الحكام أو أعضاء البرلمان أو أعضاء المجالس المحلية.
والانتخاب المباشر يكون على درجة واحدة، حيث يتحدد عندها أعضاء الهيئة المراد انتخابها بمجرد فرز الأصوات. أما الانتخاب غير المباشر تتعدد فيه الدرجات بتعدد مراحل الانتخاب، فقد يكون من درجتين أو ثلاث أو أكثر، وبالتالي يكون اختيار الهيئة المراد انتخاباها في أيدي آخر درجة.
وعليه فإن الانتخاب المباشر هو النظام المتبع في غالبية الدول بالنسبة لنواب الشعب في المجلس النيابي، والانتخاب غير المباشر كان وما زال مأخوذ به بالنسبة لبعض المجالس في فرنسا كما سيأتي أثناء الحديث في التطبيقات( ).
وفي هذا المجال يتضح بأن بعض الدساتير تأخذ بنظام الانتخاب المباشر، ومنها ما تأخذ بنظام الانتخاب غير المباشر، غير أن الانتخاب المباشر هو النظام الأكثر قرباً من المبدأ الديمقراطي، ولذلك أضحى القاعدة السائدة في وقتنا الحاضر، إذ يمارس الشعب حقه الانتخابي بطريقة مباشرة دون وساطة أحد، كما يحدث في الانتخاب غير المباشر، فضلاً عن ذلك فإن الانتخاب المباشر يُمكن القاعدة الشعبية العريضة من الاضطلاع بمهمة اختيار أعضاء الهيئة المراد انتخابها بأنفسهم مباشرة، بحيث يصعب الضغط عليها أو التأثير فيها بسهولة، سواء بالرشوة أو بالتهديد، وذلك لضخامة عدد الناخبين، بخلاف الانتخاب غير المباشر الذي يسهل فيه هذا التأثير، لقلة عدد المندوبين الذين يقومون بعملية الاختيار النهائي، من قبل الحكومة أو الأحزاب السياسية.
ومع ذلك فإن نظام الانتخاب غير المباشر كان متبع في الدول حديثة العهد بالنظام النيابي، ولكن مع انتشار المد الديمقراطي وذيوع مبدأ الاقتراع العام وجعل السلطة الحقيقية في يد الشعب، ساد أسلوب نظام الانتخاب المباشر( ).
المبحث الثالث
تطبيقات على الانتخاب غير المباشر
أخذت العديد من الدول بنظام الانتخاب غير المباشر منها مصر والمغرب وفرنسا وبلجيكا وألمانيا الاتحادية وسويسرا والولايات المتحدة الأمريكية، ونوجز ذلك على النحو الآتي:
1- مصر:
إن مجلس شورى النواب الذي أنشأه الخديوي إسماعيل سنة 1866م تم انتخاب أعضائه بالانتخاب غير المباشر، وكذلك انتخاب أعضاء مجلس شورى القوانين والجمعية الوطنية اللذين أنشأهما القانون النظامي الصادر سنة 1883م.
ثم أخذت الجمعية التشريعية التي أنشأها قانون سنة 1913م بنظام الانتخاب غير المباشر، وأستمر العمل بهذا النظام حتى دستور 1923م، وبرغم معارضة بعض أعضاء لجنة وضع الدستور سنة 1922م، إلا أنه تم اختيار أعضاء أول برلمان مصري في يناير سنة 1924م بالانتخاب غير المباشر.
وقد كان من أولويات أعمال البرلمان المصري الجديد هو العدول عن نظام الانتخاب غير المباشر، وتبني نظام الانتخاب المباشر لأول مرة في تاريخ مصر النيابي، وبالفعل صدر القانون رقم 4 لسنة 1924م، جاعلاً الانتخاب مباشراً على درجة واحدة، فيما أعاد دستور سنة 1930م الانتخاب غير المباشر مرة أخرى، وفي عام 1935م صدر قانون الانتخاب رقم 148 لسنة 1935م ليأخذ من جديد بالانتخاب المباشر( ) وهو المعمول به حالياً.
وفي مصر أيضاً يجرى ترشيح رئيس الجمهورية بطريقة غير مباشرة بواسطة أعضاء مجلس الشعب( ) ثم يعرض المرشح على المواطنين لاستفتائهم فيه.
والجدير بالذكر أن نيابة أعضاء مجلس الشعب عن المواطنين في القيام بإجراءات ترشيح رئيس الجمهورية هي نيابة حرة لا إجبارية، بمعنى أن أعضاء مجلس الشعب أحرار من الناحية النظرية في اختيار المرشح.
2- المغرب:
كما أن النظام البرلماني في المغرب يعتمد نظام الغرفتين بمقتضى دستور 1996. ويتشكل مجلس النواب من 325 مقعداً، ينتخب ثلثاهما باقتراع مباشر والثلث الباقي باقتراع غير مباشر، ومدة ولاية النائب ست سنوات.
2- فرنسا:
إن النظام المتبع في فرنسا في انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ هو الانتخاب غير المباشر وما زال العمل به حتى اليوم منذ سنة 1875م.
وكان انتخاب رئيس الجمهورية أيضاً يتم بالانتخاب غير المباشر وقد أستمر العمل بذلك من 1958 إلى 1962م. حيث تم انتخاب ديجول رئيساً للجمهورية سنة 1958م بواسطة مجمع انتخابي على غرار المجمع الانتخابي لاختيار أعضاء مجلس الشيوخ.


3- بلجيكيا:
تأخذ بلجيكيا بنظام الانتخاب غير المباشر في اختيار جزء من أعضاء مجلس الشيوخ.
4- ألمانيا الاتحادية:
ينتخب المجلس الفيدرالي الألماني بالانتخاب غير المباشر على ثلاث درجات.
5- سويسرا:
إن الحكومة السويسرية والمجلس الفيدرالي يتم انتخابهما بالانتخاب غير المباشر بواسطة أعضاء البرلمان في جلسة مشتركة لانتخاب الحكومة والمجلس الفيدرالي( ).
6- الولايات المتحدة الأمريكية:
المعروف أن انتخاب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية من الناحية القانونية انتخاب غير مباشر، إلا أن الواقع الفعلي يبين عكس ذلك، أي بالانتخاب المباشر، ويمكن تفسير ذلك بالآتي:
إن انتخابات الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية تتم على درجتين، بحيث يقوم ناخبو الدرجة الثانية باختيار الرئيس، ولكن من الناحية الواقعية فإن هؤلاء الناخبين، ليسو إلا منفذين لرغبة وإرادة ناخبي الدرجة الأولى، الذين يكون اتجاههم معروفاً سلفاً بالنسبة لاسم المرشح الذي يريدون انتخابه، وعلى ناخبي الدرجة الثانية التصويت لصالح هذا المرشح، فهو نوع من الوكالة الآمرة أو الإلزامية، حيث يقوم المندوبين باختيار المرشح المرغوب فيه من جانب ناخبي الدرجة الأولى، كما لو كان هؤلاء الناخبون هم أنفسهم الذي يقومون باختيار المرشح للرئاسة مباشرة( ).
وإذا كان أستاذنا الدكتور. جورج شفيق ساري في كتابه الأسس والمبادئ العامة للنظم السياسية، قد أعطى تفسيراً على أن الانتخابات الرئاسية الأمريكية انتخابات غير مباشرة من الناحية القانونية، ومباشرة من ناحية الواقع، بناءً على الحجج التي أوردها، إلا أن هذه الانتخابات بطبيعتها انتخابات غير مباشرة، حيث لا يمارس الشعب الأمريكي بنفسه عملية التصويت لاختيار مرشحهم للرئاسة، طالما وأن عملية الانتخاب تمر على درجتين من ناحية، واقتصار دور ناخبي الدرجة الأولى على اختيار مندوبين عنهم من ناحية أخرى، ولا ضير أن تكون نيابة ناخبي الدرجة الثانية نيابة إجبارية ومحصورة في القيام بمهمة الاختيار الذي وعدو به ناخبي الدرجة الأولى، فإن ذلك لم يغير من الأمر شيء.
المبحث الرابع
الانتخاب غير المباشر في اليمن
أولاً: الانتخاب غير المباشر في الجمهورية العربية اليمنية قبل الوحدة.
إن مسيرة التشريع الدستوري في مجال الانتخابات في ج. ع. ي قبل الوحدة تدرجت بين الانتخاب غير المباشر والتعيين ثم الانتخاب المباشر، حيث تم انتخاب أول هيئة تشريعية " مجلس الشورى " على ثلاث درجات هي: القرى والعزل والنواحي، حيث نصت المادة (10) من القانون رقم (1) لسنة 1971م بشأن انتخابات مجلس الشعب على أن: " تكون الانتخابات لعضوية مجلس الشورى على ثلاث درجات هي:
- يجتمع المواطنون الذين لهم حق الانتخاب في القرية وينتخبون ممثلاً عنهم.
- يجتمع ممثلو قرى العزلة لانتخاب ممثل عنهم.
- يجتمع ممثلو العزل في مركز الناحية وينتخبون ممثلاً عن الناحية.
كما نصت المادة (4) من القانون ذاته على أن: " يكون نصيب كل لواء من الممثلين في مجلس الشورى حسب عدد نفوس المواطنين فيه ".
ومن خلال النص يتضح عدم تحديد عدد الناخبين في الدولة، وفي كل دائرة انتخابية، لكي يتم معرفة توافر الأصوات اللازمة لانتخابات كل مرشح للهيئة التشريعية أو الهيئات المحلية طبقاً للأصول الانتخابية من جهة، وتوفير الحق لكل مواطن أكتسب حق الانتخاب( ). فضلاً عن عدم تحديد عدد الدوائر الانتخابية، وتحديد موعد الانتخابات.
واستمر العمل في مجلس الشورى بهذا الأسلوب حتى تاريخ 22/ 10/ 1975م، وذلك بانتهاء الحد الأقصى لمدته الإضافية التي كانت ممنوحة له بمقتضى الإعلان الدستوري الصادر في تاريخ 22/ 10/ 1974م.
ويتضح من خلال انتخاب أول هيئة تشريعية – مجلس الشورى – بأسلوب الانتخاب غير المباشر، والذي تم على ثلاث درجات، أن المشرع لم يتطرق إلى العديد من الإجراءات المتعلقة بعملية الانتخاب، حيث لم يضع القيود التعليمية على الناخبين، ودون تحديد أشخاص منفردين كمنتخبين بحكم وجاهتهم في الألوية، كما حُددت في مصر في بداية تجربتها البرلمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، حيث نصت أحكام لائحة تأسيس مجلس الشورى النواب وانتخاب أعضائه الصادرة في 22/ 10/ 1866م، والتي نصت في البند السادس منها على أن: " انتخاب الأعضاء من الأقاليم يلزم أن يكون على حسب التعداد، فلذا يلزم انتخاب واحد أو اثنين من كل قسم من أقسام المديريات بحسب كبر القسم وصغره، ويصير انتخاب ثلاثة من مصر واثنين من الإسكندرية وواحد من دمياط ".
وفي اليمن أيضاً تم انتخاب رئيس الجمهورية بطريقة غير مباشرة بواسطة أعضاء مجلس الشعب التأسيسي، وذلك في يوم 17/ 7/ 1978م.
ولقد تم العمل بهذا الأجراء نظراً لما واجهته البلاد من أخطار نتيجة الاغتيالات السابقة لرؤساء الجمهورية السابقين، حرصاً على استمرار مسيرة الديمقراطية، واستقرار الأوضاع في البلاد، وبرغم أن مجلس الشعب غير منتخب من الشعب، إلا أن هذا الانتخاب يعد انتخاب غير مباشر من الناحية الواقعية للانتخاب.
ومما تقدم يتضح بأن المشرع اليمني في تلك الفترة سلك مسلك تشريعات بعض الدول التي بدأت تجربتها البرلمانية بالتدرج في انتخابات الحكام وأعضاء المجالس التشريعية فيها، ونعتقد أن ذلك يعود إلى واقع البلد وملابسات الأوضاع الاجتماعية آنذاك.
ثانياً: الانتخاب غير المباشر في جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل الوحدة.
أما بالنسبة لمسيرة التشريع الدستوري في ج. ي. د. ش. سابقاً، فقد نهج المشرع أسلوباً مغاير للأسلوب الذي نهجه المشرع في شمال الوطن قبل الوحدة، حيث تدرج المشرع الدستور مبتدءاً بالتعيين ثم الانتخاب المباشر، فيما يتعلق بانتخاب مجلس الشعب الأعلى.
وقد تم تشكيل مجلس الشعب الأعلى المؤقت في 30/ 11/ 1971م، كأول مجلس برلماني بعد الاستقلال، وأطلق عليه صفة المؤقت لأن تشكيله تم من خلال التعيين، رغم أن المادة (9) من الدستور تضمنت " تشكيل المجلس بالانتخابات الحرة العامة والمتساوية والمباشرة ".
إلا أن المشرع بعد ذلك سلك نظام الانتخاب المباشر في انتخاب أعضاء مجلس الشعب الأعلى، ونظام الانتخاب غير المباشر في انتخاب هينة رئاسة الدولة في أول اجتماع لمجلس الشعب الأعلى، والتي تتألف من رئيس وعدد من الأعضاء لا يقل عددهم عن احد عشر عضواً، ولا يزيد على سبعة عشر عضواً( ). كما يتم انتخاب رئيس الوزراء بناء على اقتراح هيئة الرئاسة، كما ينتخب في نفس الدورة أعضاء مجلس الوزراء بناء على اقتراح رئيس الوزراء. على أن يكون غالبية أعضاء مجلس الوزراء من بين أعضاء مجلس الشعب الأعلى( ).
فضلاً عن ذلك، يتم انتخاب المحكمة العليا للجمهورية، التي تتألف من رئيس ونائب أو أكثر للرئيس وعدد من القضاة في أول دورة لمجلس الشعب الأعلى أيضاً( ).
ثالثاً: الانتخاب غير المباشر في الجمهورية اليمنية.
امتداداً للحديث عن الانتخابات غير المباشرة، وبموجب دستور الجمهورية اليمنية الذي أنجزته اللجنة المشتركة كان وما يزال مشروعاً ينتظر إقراره من قبل الشعب في استفتاء عام، فإن تشكيل أول مجلس تشريعي، يتألف من كامل أعضاء مجلس الشورى (159) ومجلس الشعب الأعلى (111) بالإضافة إلى (31) عضواً يصدر بهم قرار من مجلس الرئاسة، حيث صدر قرار مجلس الرئاسة رقم (4) في 24/ مايو/ 1990م بتعيين (31) عضواً ضمن مجموع أعضاء المجلسين وتشكل مجلس النواب من (301) عضو( ).
وقد أخذ بالانتخاب غير المباشر في تشكيل أول مجلس رئاسة، حيث نصت المادة (83) من الدستور على أن: " يتم ترشيح أعضاء مجلس الرئاسة من قبل ربع عدد أعضاء مجلس النواب، ويعتبر المرشح عضواً في مجلس الرئاسة بحصوله على ثلثي أصوات أعضاء المجلس في المرة الأولى، وإذا لم يتم فيكون بالأغلبية المطلقة لعدد أعضاء المجلس ".
فيما تم انتخاب مجلس الرئاسة الثاني عن طريق الانتخاب غير المباشر، من قبل مجلس النواب في 11/ 10/ 1993م، حيث يتكون مجلس الرئاسة من رئيس ونائباً للرئيس وثلاثة أعضاء.
كما أخذ بالانتخاب غير المباشر في انتخاب المحافظين، والذي تم على درجتين من قبل هيئة منتخبه تتكون من أعضاء المجالس المحلية في المحافظة ومجالس مديريات المحافظة، والذي يبلغ عددهم 7498 عضواً، وذلك بموجب تعديل قانون السلطة المحلية رقم (4) لسنة 2000م( )، حيث نصت المادة (38/ أ) بعد التعديل بموجب القانون رقم (38/ أ) لسنة 2008م على أن: " يكون لكل محافظة محافظ بدرجة وزير يتم انتخابه بالاقتراع السري من قبل هيئة انتخابية تتكون من المجلس المحلي للمحافظة ومجالس مديريات المحافظة ممن تتوفر فيهم الشروط القانونية ويصدر بتعينه قرار جمهوري فور إعلان نتيجة فوزه ويباشر مهامه بعد أداء اليمين الدستورية أمام رئيس الجمهورية ".
والتدرج في انتخابات المحافظين تأكيد حقيقي على أن اليمن تسير في الاتجاه الذي يؤسس للمستقبل بوعي كبير لا يعتمد القفز على محددات الواقع الذي يعينه بل يدرسه بعناية، وهو ما حدث في مصر أثناء اختيار أعضاء أول برلمان مصري في يناير 1924م بالانتخاب غير المباشر، حيث جاء بتقرير لجنة المبادئ العامة لوضع الدستور في سنة 1922م تبريراً للانتخاب غير المباشر على النحو التالي: " أمثل الطرق للانتخاب في رأي اللجنة أن يكون على درجتين الأولى درجة الناخبين والثانية درجة المندوبين عن الناخبين، وقد تركت اللجنة تقدير العدد الذي ينوب عنه كل مندوب ناخب إلى لجنة قانون الانتخاب ودعاء اللجنة لتقرير مبدأ الدرجتين وتفضيله على مبدأ الانتخاب المباشر الذي رأى بعض الأعضاء الأخذ به لسببان هما:
أولهما تاريخ مصر الانتخابي: إن مصر لم تعتاد الانتخاب السياسي المباشر بل كانت كل قوانين الانتخابات الماضية لمجلس النواب في سنة 1882م والمجلس الشورى والجمعية العمومية في سنة 1883م وكذا الجمعية التشريعية في سنة 1913م تنص على أن تكون الانتخابات على درجتين.
وقد أسفر انتخاب الجمعية التشريعية - على الرغم من قلة عدد المنتخبين فيها- عن نتيجة لا بأس بها فمن المنتظر أن تسفر الانتخابات لمجلس النواب من درجتين عن مشاركة أوسع، حيث يكون الشعب أكثر شعوراً بحقه السياسي وبضرورة حُسن اختيار النواب لتمثيلهم ولكون العدد ثلاثة أضعاف عدد أعضاء الجمعية التشريعية تقريباً، فإن ذلك يسمح للأكفاء بالوقوف إلى جانب ذوي المصالح الواسعة.
أما السبب الثاني فيرجع إلى حال البلاد العامة، لأن كثيرين من السكان لا يعرفون في الغالب شيئاً كثيراً عن الأشخاص الذين يتقدمون للنيابة عنهم وقد ينخدعون بمن لا يعرفونه لما يزينه لهم من الأقوال.
ولما كان أساس النيابة الثقة والثقة لا تأتي إلا عن معرفة، فالناخبون الذين يولون ثقتهم لمن لا يعرفونه يخرجون بالانتخاب عن المعنى المقصود منه. أما مندوبو الناخبين فهم بالضرورة من أكثر الناس معرفة بالمرشحين لقلة عددهم وسهولة الاتصال بهم، مما يؤهلهم لاختيار أفضلهم ممن يثقون به.
ومما تقدم يتضح بأن تعدد الدرجات متبع في بلاد شتى فيما يتعلق بمجلس الشيوخ وقد كان متبعاً أيضاً في فرنسا بالنسبة للمجلس الآخر في دستور سنة 1789م لذلك رأت اللجنة من المجازفة أن تزج بالبلاد في غمار التجربة في الظروف الحاضرة فقررت أن تستبقي طريقة الانتخاب القديمة التي خبرتها البلاد من عهد طويل "( ).
لذلك نرى أن التدرج في انتخابات المحافظين أمرٌ مطلوب، لاسيما أنه الأول من نوعه في تاريخ اليمن والمنطقة العربية، ولعدم وجود تجربة سابقة يمكن الاستفادة منها، لذا فإن انتخاب المحافظين على درجتين، يحقق الكثير من المزايا أهمها هي:
- إن الكثير من ناخبي الدرجة الأولى لا يعرفون في الغالب شيئاً عن الأشخاص المراد انتخابهم، وقد ينخدعون بمن لا يعرفونه نتيجة لتأثرهم ببعض الأقاويل أثناء فترة الدعاية الانتخابية. فإجراء الانتخاب بطريقة مباشرة لا يمكن الناخبين من معرفة المرشحين، ومن ثم لا يكونون قادرين على الاختيار الموضوعي. كما أن الانتخاب المباشر يكلف الدولة الكثير من المال والوقت في إجراء ترتيبات عديدة.
- إن الانتخاب غير المباشر يمكن ناخبي الدرجة الأولى، القدرة على اختيار عدد كبير من ناخبي الدرجة الثانية، والذين تكون لهم بهم معرفة متفاوتة الأهمية.
- إن إجراء انتخاب المحافظين على درجتين، يمكن القائمين على الانتخاب من الاستفادة من الإخفاقات والصعوبات التي قد تحدث، لتجنبها في الانتخابات المباشرة.
- إن ناخبي الدرجة الثانية تتوافر لديهم غالباً الخبرة الكافية في مجال الشئون العامة والخاصة أيضاً.
المبحث الخامس
تقييم الانتخاب غير المباشر
أولاً: مزايا الانتخاب غير المباشر:
- لا يكون الناخب دائماً قادراً على معرفة المرشحين في إطار الانتخاب المباشر، ومن ثم لا يكون قادراً على القيام باختيار موضوعي.
- إن ناخبي الدرجة الثانية لمحدودية عددهم، يمكنهم معرفة مميزات كل مرشح، مما يمكنهم من القيام باختيار مستنير.
- الانتخاب غير المباشر يتيح لناخبي الدرجة الأولى فرصة اختيار الشخصيات الهامة التي لها خبرة في المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
- الانتخاب غير المباشر يمكن ناخبي الدرجة الثانية من القيام بدور هام في الحياة السياسية، إذ سيتم من خلالهم اختيار مرشحين من هذه الشخصيات البارزة لتمثيل الفئات المختلفة والقيام بدور هام في الحياة السياسية.
- يؤدي الانتخاب غير المباشر في دولة متقدمة إلى جعل ناخبي الدرجة الثانية البارزين منهم، يلعبون دوراً فعالاً في الحياة السياسية بتوجيهها بطريقة معتدلة ورشيدة.
- إن ناخبي الدرجة الثانية تتكون من فئة منتقاة تمثل خيرة الشخصيات البارزة في كل المجالات الذين يرغبون في القيام بدورها في الحياة المحلية وفي مجال النشاط المهني( ).
- للانتخاب غير المباشر في الدول حديثة العهد بالنظام النيابي أهمية واضحة لقلة مستوى الناخب العادي اجتماعياً وثقافياً وخلقياً( ).
- الانتخاب غير المباشر يعمل على تمثيل الهيئات المحلية في النظم الاتحادية اتحاداً فيدرالياً، ولذلك نجد الدول الفيدرالية تأخذ به في اختيار أعضاء أحد المجلسين النيابيين( ).
ثانياً: عيوب الانتخاب غير المباشر:
- يعتبر الانتخاب غير المباشر وسيلة غير ديمقراطية، لأنه يحول بين هيئة الناخبين وبين اختيار الهيئة المراد انتخابها مباشرة وبدون واسطة.
- الانتخاب غير المباشر يؤدي إلى نوع من مصادرة سلطة اتخاذ القرار لدى المواطنين، بأن ينتزعها منهم لصالح عدد قليل من الناخبين ألا وهم ناخبو الدرجة الثانية.
- حرية ناخبي الدرجة الأولى في توجيه السياسة، يمكن أن تتقلص بشكل ملحوظ في الدرجة الثانية وبشكل أكبر في الدرجة الثالثة والرابعة.
- يؤدي الانتخاب غير المباشر إلى أن يقوم ناخبو الدرجة الأولى بانتخاب الهيئة المراد انتخابها، بما يمكن النظام هذه الهيئة من الناحية الواقعية من السيطرة على الحياة السياسية.
- يؤدي الانتخاب غير المباشر إلى أن يطيل مدة الانتخاب وتقييدها.
- الأخذ بنظام الانتخاب غير المباشر يسهل عملية التأثير على ناخبي الدرجة الثانية من قبل الحكومة أو الأحزاب السياسية بوسائل مختلفة نظراً لقلة عددهم( ).


الخاتمة:
أشرنا في مقدمة هذه الدراسة أن الخاتمة تتضمن أهم النتائج والتوصيات ويمكن إيجاز تفاصيل ذلك على، النحو التالي:
أولاً: النتائج:
- الانتخاب غير المباشر يبتعد عن الديمقراطية، بقدر عدد درجات الانتخاب، فيكون الانتخاب على ثلاث درجات أقل ديمقراطية من الانتخاب على درجتين، كما أن الانتخاب على درجتين أقل ديمقراطية من الانتخاب على درجة واحدة، أي الانتخاب المباشر.
- الانتخاب غير المباشر يتيح الفرصة للحكومات بالضغط على المندوبين لقلة عددهم في تزييف إرادتهم وتوجيهها بحسب رغبتها.
- بعض الدساتير تأخذ بنظام الانتخاب المباشر، والبعض الآخر يأخذ بنظام الانتخاب غير المباشر، غير أن الانتخاب المباشر هو النظام الأكثر قرباً من المبدأ الديمقراطي.
- من الصعوبة بمكان الضغط علىٰ القاعدة الشعبية العريضة أو التأثير فيها من الاضطلاع بمهمة اختيار أعضاء الهيئة المراد انتخابها في الانتخاب المباشر لضخامة عدد الناخبين.
- من السهولة بمكان التأثير على عدد المندوبين الذين يقومون بعملية الاختيار النهائي للهيئة المراد انتخابها من قبل الحكومة أو الأحزاب السياسية لقلة عددهم.
- في مصر يجرى ترشيح رئيس الجمهورية بطريقة غير مباشرة بواسطة أعضاء مجلس الشعب، ثم يعرض المرشح على المواطنين لاستفتائهم فيه.
- النظام البرلماني في المغرب يعتمد نظام الغرفتين ويتشكل مجلس النواب من 325 مقعداً، ينتخب ثلثاهما باقتراع مباشر والثلث الباقي باقتراع غير مباشر، ومدة ولاية النائب ست سنوات.
- يتم انتخاب أعضاء مجلس الشيوخ في فرنسا عن طريق الانتخاب غير المباشر وما زال العمل به حتى اليوم منذ سنة 1875م.
- تأخذ بلجيكيا بنظام الانتخاب غير المباشر في اختيار جزء من أعضاء مجلس الشيوخ.
- يتم انتخاب المجلس الفيدرالي في ألمانيا بالانتخاب غير المباشر على ثلاث درجات.
- يتم انتخاب الحكومة والمجلس الفيدرالي في سويسرا بالانتخاب غير المباشر بواسطة أعضاء البرلمان.
- يتم انتخاب رئيس الولايات المتحدة الأمريكية من الناحية القانونية بالانتخاب غير المباشر.
- سلك المشرع اليمني في شمال الوطن – سابقاً- مسلك تشريعات بعض الدول التي بدأت تجربتها البرلمانية بالتدرج في انتخابات الحكام وأعضاء المجالس التشريعية، حيث تم انتخاب أول هيئة تشريعية بالانتخاب غير المباشر والذي تم على ثلاث درجات، وتم انتخاب رئيس الجمهورية بطريقة غير مباشرة بواسطة أعضاء مجلس الشعب التأسيسي نظراً لظروف المرحلة التي واجهتها اليمن آنذاك من أخطار نتيجة الاغتيالات السياسية لرؤساء الجمهورية السابقين.
- سلك المشرع اليمني في جنوب الوطن – سابقاً- نظام الانتخاب غير المباشر في انتخاب هيئة رئاسة الدولة في أول اجتماع لمجلس الشعب الأعلى، وتم انتخاب رئيس الوزراء بناء على اقتراح هيئة الرئاسة، كما تم انتخاب أعضاء مجلس الوزراء بنفس الدورة بناء على اقتراح رئيس الوزراء؛ فضلاً عن ذلك تم انتخاب المحكمة العليا للجمهورية في أول دورة لمجس الشعب الأعلى من رئيس ونائب أو أكثر للرئيس وعدد من القضاة.
- فيما أخذ المشرع اليمني بعد قيام الوحدة في 22 مايو 1990م بنظام الانتخاب غير المباشر في تشكيل أول مجلس رئاسة، كما أخذ بنظام الانتخاب غير المباشر بالنسبة لانتخاب المحافظين والذي تم على درجتين من قبل هيئة منتخبة تتكون من أعضاء المجالس المحلية في المحافظة ومجالس مديريات المحافظة.
ثانياً: التوصيات:
- القانون هو الذي يرسم طريقة النظام الانتخابي لتعبير المواطنين عن إرادتهم الحرة لاختيار ممثليهم في إدارة شئونهم، ويوجد في العالم عدة نظم انتخابيه وتختلف من دوله إلي أخري، والانتخاب غير المباشر يعتبر نوع من أنواع الانتخابات، له مزايا وله أيضاً عيوب.
- إن الكثير من الدول تجمع بين الانتخاب المباشر، والانتخاب غير المباشر، وهذا ما أخذ به المشرع اليمني في كلَ الشطرين قبل الوحدة، وانتخاب مجلس الرئاسة لفترتين بعد الوحدة، ثم انتخابات المحافظين كأول تجربة على مستوى الوطن العربي بصفة عامة واليمن بصفة خاصة.
- إن انتخابات أمين العاصمة ومحافظي المحافظات بطريقة غير مباشرة، ليس سبباً أو مبرراً للمقاطعة كونها أول انتخابات تجرى في اليمن، بل وعلى مستوى الوطن العربي، فالانتخابات بالطريقة غير المباشرة (على مرحلتين) هي أحدى طرق الانتخابات المتعارف عليها في كثير من دول العالم – كما أشرنا - وتأخذ به الكثير من الدول.
- إن الخوض في الانتخابات غير المباشرة لأول مرة، من الطبيعي أن يرافقها الكثير من جوانب القصور والعيوب والأخطاء، فالتجارب الإنسانية كفيلة بأن تأتي بالأفضل... طالما وأن هناك طموح يهدف إلى الكمال من خلال إدراك القيادة السياسية، والاستفادة من التجارب السابقة للوصول إلى الأفضل.
- إذا كانت طريقة الانتخاب غير المباشر تبعد عن الديمقراطية، لأنها تحول بين هيئة الناخبين وبين اختيار الهيئة المراد انتخابها بطريقة مباشرة، إلا أنها تُعد لبنة جديدة ونوعية، وإضافة مهمة في هرم التطور الديمقراطي اليمني، الذي يكسب التجربة الديمقراطية اليمنية ككل بعداً نوعياً جديداً يعزز مصفوفة الإجراءات الطموحة الهادفة إلى تعزيز بنيان المجتمع المدني وأركان الدولة اليمنية الحديثة.
- إذا كانت الانتخابات المباشرة هي الأقرب إلى الديمقراطية، فإنها السبيل المستهدف الوصول إليه، بعد أن تصبح الفكرة الديمقراطية مستوعبة لدى الكافة، ممن لهم الحق في ممارسة الانتخابات.
- تُعد الانتخابات وسيلة تهدف إلى تعزيز بناء المجتمع الديمقراطي، وهي الطريقة التي يمكن بواسطتها معرفة إرادة الشعب، وحتى تكون كذلك فإنه لا بد من توفر عدد من الأسس والمتطلبات والشروط أهمها اختيار النظام الانتخابي المناسب.
- ينبغي على الهيئات التشريعية عند وضعها للنظم الانتخابية، أن تكون وفق ظروف كل مجتمع، من حيث السهولة واليسر للمواطنين، مع الأخذ في الاعتبار المستويات العلمية والأوضاع الاجتماعية لكل دولة.
- ينبغي على الهيئات التشريعية عند وضعها للنظم الانتخابية أن تعمل على تشجيع المواطنين بما فيهم الشباب والنساء على المشاركة في الانتخابات، وتسهيل الإجراءات على المواطنين، وتحفيزهم على المشاركة الفاعلة في العملية الانتخابية اقتراعاً وترشيحاً.
- أخذت العديد من الدول بنظام الانتخاب المباشر في مراحل لاحقة، وهو ما جعل التجربة ناجحة لكونها مرت بمراحل عديدة بدءاً بالتثقيف المجتمعي، من خلال التعريف بالمرشحين الذين تم اختيارهم عن طريق ممثلي المجالس المحلية والذين تم انتخابهم مباشرة من الشعب، لكي يكونوا اللبنة الأولى على طريق تصحيح الذات والتعريف بمقدرات المجتمع على صعيد القدرات الإدارية والسياسية والاجتماعية، والمتمتعة بقدرات متميزة في العمل الإداري والقادرة على تقديم الخدمات الضرورية للمجتمع المحلي.
- إن الترتيب السليم في اختيار المحافظين في الجمهورية اليمنية، عبر التدرج بدءاً بالانتخاب عن طريق المجالس المحلية، هو الأضمن من حيث التأثير الإيجابي على صعيد العمل السياسي الداخلي، ومن ثم على صعيد التنظيم والترتيب في الصياغة العامة، لما قد تؤدي إليه مفاهيم وواقعية الديمقراطية في مجتمع لا يزال يعاني الكثير من إشكاليات اقتصادية ليست بالهينة.
- إن تحقيق النهج الديمقراطي الحر، إنما يعني التدرج نحو تحقيقه بآليات لها مسافات ومساحات واسعة من الإدراك لأبجديات التغيير لمضامين فكرة الممارسة العملية على صعيد التطبيق الفعلي للديمقراطية، الأمر الذي يوجب التأكيد على أن الممارسة الديمقراطية، لا بد لها أن تكون مستوعبة على أنها تدرجية، خاصة إذا ما كانت تعني الاختيار لكفاءات قد تكون جدلية من حيث قدراتها وفهمها واستيعابها لكل مضامين الواقع ومعطياته، وهو ما يمكن أن يكون متعذراً لدى عامة الناخبين، خاصة في المراحل الأولى من التطبيق الفعلي لانتخابات المحافظين والتي تمس الفئات الوسطية في التشكيل الإداري الهرمي لإدارة المجتمع المحلي.
اسأل الله عز وجل التوفيق والسداد إنه سميع مجيب.

0 التعليقات:

إرسال تعليق